السيد كمال الحيدري
104
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
ازدياد قيمة احتمال القضية الاستقرائية واقترابه من اليقين إلا إذا أدّى في الوقت نفسه وبالدرجة نفسها إلى ترجيح فرضية السببية بمفهومها العقلي . أي أن المفهوم العقلي للسببية الذي يستبطن الضرورة شرط أساسيّ لنموّ الاحتمال بالقضية الاستقرائية . والمنطق التجريبي يرفض الاعتراف بالمفهوم العقلي للسببية ويتعامل مع الطبيعة على أساس المفهوم التجريبي للسببية ، وأيّ تعامل على أساس المفهوم التجريبي يجعل حساب الاحتمال عاجزاً حتى عن تنمية احتمال التعميم على أساس الاستقراء . وليس المقصود في المقام دعوى أن الدليل الاستقرائي لكي يمارس عملية التوالد الموضوعي يتوقّف على الإيمان بالسببية بمفهومها العقلي ، وإنما نحن بصدد الإشارة إلى أن المرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي تتوقّف على افتراض عدم وجود مبرّر قبليّ لرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي أي للاعتقاد بعدمها كما يفترض المنطق لتجريبي . إذن فالمنطق التجريبي بين أمرين ، إما أن يتنازل عن مفهومه التجريبي للسببية ويعترف بمفهومها العقلي المستبطن للضرورة بدرجة لا تقلّ عن درجة اعترافه بأي قضية استقرائية مدعمة بأقوى البيّنات الاستقرائية ، وإما أن يصرّ على استبعاد المفهوم العقلي وعلى التعامل مع ظواهر الطبيعة على أساس المفهوم التجريبي للسببية فيعجز حتى عن تفسير الترجيح الاستقرائي . وعن هذا الطريق يمكننا أن نبرهن لكلّ من يعترف بقيمة حقيقية للدليل الاستقرائي في تنمية الاحتمال على أنه مضطرّ إلى التنازل عن المبرّرات القبلية لرفض علاقات السببية بمفهومها العقلي ونفيها ، كما تقدّم سابقاً .